ابن كثير

186

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

والروم وهم لا يعبدون اللّه ، فاستوى جالسا وقال : « أفي شك أنت يا ابن الخطاب . أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » « 1 » فقلت استغفر لي يا رسول اللّه . وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه اللّه عز وجل . وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به ، وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين ، عن ابن عباس ، قال : مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له ، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له ، قال : فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه ، فقلت : يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا لفظ البخاري ، ولمسلم : من المرأتان اللتان قال اللّه تعالى : وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ قال عائشة وحفصة ، ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره . وقال مسلم « 2 » أيضا : حدثني زهير بن حرب ، حدثنا عمر بن يونس الحنفي ، حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل ، حدثني عبد اللّه بن عباس ، حدثني عمر بن الخطاب ، قال : لما اعتزل نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه دخلت المسجد ، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نساءه ، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب فقلت لأعلمن ذلك اليوم ، فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما ، إلى أن قال : فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أسكفة المشربة ، فناديت فقلت : يا رباح استأذن لي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فذكر نحو ما تقدم - إلى أن قال - فقلت : يا رسول اللّه ما يشق عليك من أمر النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن اللّه معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما تكلمت - وأحمد اللّه - بكلام إلا رجوت أن يكون اللّه يصدق قولي ، فنزلت هذه الآية آية التخيير عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ فقلت : أطلقتهن ؟ قال : « لا » فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق نساءه . ونزلت هذه الآية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النساء : 83 ] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر . وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومقاتل بن حيان والضحاك وغيرهم وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أبو بكر وعمر ، زاد الحسن البصري وعثمان ، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال : علي بن أبي طالب .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 83 ، والمظالم باب 25 ، ومسلم في الطلاق حديث 36 ، والترمذي في تفسير سورة 66 . ( 2 ) كتاب الطلاق حديث 30 .